كتاب نساء البساتين – رواية لـ الحبيب السالمي

حول الكتاب
يرى ميلان كونديرا أن الأخلاق في الكتابة هي المعرفة؛ بهذا يمكن اعتبار كل رواية جيدة رواية مورالية، ليس بالمفهوم الديني، بل المعرفي. فالرواية الجيدة لابد أنها تقدّم معرفة ما، داخل سياق سردي وجمالي يفتح قنوات أكثر جذباً للمعرفة. للكتابة إذن أخلاقها، حسب كونديرا، التي لا يجب أن تخضع في كل الأحوال للأخلاق السائدة في مجتمع ما، أو لدين ما، بل يكون الخضوع عادة للمشهد الذي يجب أن يوصف أو للحوار الذي يجب أن يُقال.
في رواية “نساء البساتين” للروائي التونسي الحبيب السالمي، تسير المعرفة في طريقها الشرعي، أقصد الواقعية، دون أي ألعاب سردية، ودون أي مفاجآت صدامية، وبلغة رائقة استطاع المؤلف أن يجعلها بسيطة بساطة العالم الذي يتناوله، حتي في المرات القليلة التي كسرت حاجز اللغة “العفيفة”، كانت موظفة بشكل لا يمكن تجنبه، خاضعة بذلك لقانون “أخلاق الكتابة” وعاكسة في الحوار روح الأفراد وطريقة حديثهم وتفكيرهم.

تنتمي هذه الرواية إلي تيار الواقعية الاجتماعية، والتي تعني في المقام الأول بملاحظة المجتمع ورصد تغيراته، وربما تطل في هذا السياق علي الآفات والتراجع أكثر من عنايتها بالخطوات الأمامية. ولأن هذا السياق يرتبط بخيط قوي وجوهري بالحياة السياسية، تسلط الضوء علي هذا العامل المؤثر في حياة الأفراد، وبالتالي المرور علي نتائج أوردها السالمي في مضمون سرده.

تبدأ الرواية بعودة البطل إلي تونس بعد غياب طال خمس سنوات. سيقيم في منطقة “البساتين” لمدة عشرة أيام في بيت أخيه المتزوج. ومن خلال الأخ وزوجته وأخت زوجته وصديق له وجارة في نفس العمارة، يرصد السالمي حياة المجتمع، حركته، سكونه، تحرره الزائف، وتدينه الزائف أيضاً، ليشبه العمل في مجمله مجموعة صور فوتوغرافية، عبرها لا يمكن فقط تفحص المجتمع التونسي المعاصر، بل المجتمع العربي بشكل عام، حيث العهر المستتر بالتدين، والعهر المفضوح، وفساد الشرطة وقبضتها الحديدية، والحلم بوطن آخر يستبدلون به أوطانهم المتعفنة.

يختار السالمي ضمير الأنا ليروي أيام إجازته، فتشبه روايته اليوميات، ويختار “البساتين” لتكون مكان الأحداث، وهي المنطقة التي يعرفها جيداً، بتاريخها وشوارعها وبناياتها ومقاهيها، ويختار النساء ليكنّ قنوات مختلفة يتدفق عبرها السرد. وتعتبر “نساء البساتين” رواية كشف عورات، تتبني الخطاب الغربي أو “العين الغريبة” لرؤية تفاصيل مجتمع قائم علي المتناقضات.

يُقال في سياق العمل إن نساء البساتين مقموعات، لكن النماذج التي قدّمها السالمي تعكس صورة أخرى، فليلي، أخت زوجة أخيه، امرأة متحررة، يصفونها بالتبرج والفساد، تري أن حرية المرأة تسمح لها أن تضاجع من تريد كلما أتيحت لها الفرصة، دون أن تشعر بأي ذنب حيال نفسها أو زوجها الذي يهبها كل الحريات؛ ونعيمة، جارته، صورة أخري لا تستطيع مواجهة المجتمع بحقيقتها، فتلجأ للتدين الظاهر، وربما يكون ذلك لتحصل علي زوج، كما قالت زوجة أخيه، يسري، إن المومسات لما يردن الزواج يتدينّ. لو أضفنا إلي هذين النموذجين عاهرتي المقهي وعاهرات الأزقة، لتكونت لدينا صورة واضحة عن كيف يكنّ “نساء البساتين”!. فباستثناء يسري، التي ربما تجنبها خجلاً، يمكن اعتبار كل نساء الرواية مومسات. وهي بالطبع نظرة ذكورية، خاصةً في سياق عمل تعامل مع شخصياته بمبدأ “العين الغريبة” أو “الجولة البانورامية” دون أن يراعي البعد النسوي في التحليل، ودون أن يسمع لتفكير المرأة في أحوالها المختلفة. الخطاب الذكوري هنا ربما يتسق تماماً مع صورة المجتمع كما يراه المؤلف. ورغم أن النماذج التي قدمها واقعية جداً، ورغم أن الرواية تتناول بالأساس سير النساء، إلا أن صوت المرأة جاء خافتاً جداً، فلم نر من المرأة إلا الجانب الفسيولوجي، سواء في الوصف أو في السلوك. وهو ما يعني بالضرورة أن الراوي لا يعرف كل شئ عن شخصياته، الذكورية والأنثوية علي حد سواء، ولا يسرد عنها سوي ما يمكن التقاطه، وهي، في رأيي، تقنية مقبولة في حالة كونها ليست مركز السرد بل عوامل مساعدة لاكتمال الصورة.

نلاحظ في تقنية السرد أيضاً أن المؤلف جعل بؤرته اللحظة الآنية، وهو ما يحيل العمل، بطريقة ما، إلي فكرة اليوميات، دون الاهتمام بكتابة التاريخ، حيث يدور العمل في عشرة أيام، يجول خلالها في نفس الأمكنة ويقابل نفس الشخصيات، التي تؤكد مع تقدم الحكايات علي فكرة الأحلام المجهضة، الحرية المكسورة، المحاولات الميئوس منها للخروج من زجاجات القمع والسباحة في عوالم رحبة، حتي ولو كان السبيل ركوب مركب مغامر يطمح الوصول للضفة الأخري. ومع أن المؤلف يلصق كل هذا بالسياسة الديكتاتورية، إلا أنه لا يعبّر عن ذلك بطريقة مباشرة، بل عبر سرد ناعم، يشير لنا برقة إلي المتلصصين في المقاهي، أو برسم صورة للقبض المتعسف علي نعيمة وعشيقها. ويضع في الخلفية عبارة”ابتسم فأنت في تونس” بشكل لا يمكن أن يكون إلا ساخراً.

نحن إذن أمام رواية مورالية، بمفهوم كونديرا، تقدم معرفة وكشفاً لمجتمع لا نعرف عنه الكثير، لكنه يتشابه في مجمله مع كل المجتمعات المحيطة.
أحمد عبد اللطيف – أخبار الآداب

نبذة المؤلف:
رواية تقارب عالم أسرة متواضعة في أحد أحياء مدينة تونس وهي تتدبّر أمر عيشها اليوميّ، من هذا العالم الصغير الذي تمتلك فيه المرأة حضوراً قوياً، تتفتح الرواية على عالم أكثر رحابة وثراء وتعقيداً تتجلّى فيه تناقضاتُ الذات التونسيّة والعربيّة عموماً وهشاشتها وشروخها في مجتمع يتأرجح بين تقاليد دينيّة ثقيلة وحداثة مربكة…

مناقشة الكتاب    حقوق الملكية الفكرية محفوظة    

كتب ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *