تحميل كتاب ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل pdf لـ عبد الإله بلقزيز

وصف الكتاب
كتب “عبد الإله بلقزيز” في مقدمة كتابه “ثورات وخيبات”… “من المبكر جداً الحكم على ما جرى من تحولات عربية في سياق ما بات يُعرف بالثورات والإنتفاضات العربية، لأن تداعياتها ما تزال ممتدة ومتفاعلة، وتأثيراتها متنقلة، وقواها الإجتماعية في حالة سيولة، وبيناتها الحاضنة متعددة المصادر وليست داخلية حصراً، وملامح السلطة السلطة القادمة والناشئة لم تتبين على نحو من الوضوح كافٍ، والتباسات الصلة بين التغيير وبين “رعاة” خارجيين تلقى بظلالها على المشهد كله…
كان الخطاب الإحتفالي بالثورة مبرراً تماماً في شهريها الأولين، حين سقط نظاماً بن علي ومبارك في لحظة زمنية قياسية، ومن دون أكلافٍ دموية فادحة، لكن لحظة التساؤل أزفت بعد أن صار الثمن غالباً، وبعد أن باتت حصة المتظاهرين في فعل التغيير تتساوى وحصة آخرين من خارج البلد… ثم بعد أن بدأ الجميع يستشعر أن الثورة تتسرب من بين أصابع من صنعوها حين تنتقل إلى صندوق الإقتراع فتسفر عن حقائق سياسية أخرى.
من المبكر الحكم على ما جرى ويجري قبل أن تستقر ملامحه، وتستنفذ عملية التكوين زمنها الموضوعي، غير أنه يسعنا منذ اللحظة، ان نشدد على جملة حقائق – تاريخية – وموضوعية – لا سبيل إلى قراءة لوحة المعطيات الناشئة – في سياق ما دُعيَ بــ”الربيع العربي” بمعزل عنها كمقدمات نظرية، أو كوجهات للتفكير، اول تلك الحقائق أن مفهوم الثورة في وضعه الإعتباري النظري، يغي التغيير الجذري للنظام الإجتماعي بالإقتصادي وليس للنظام السياسي فحسب، لا تكفي أن تسقط نخبة سياسية حاكمة، بوسائل الإنتفاضى والضغط الشعبي، وتحلّ محلها نخبة جديدة، ولو عن طريق سياسي شرعي وإنتخابي، حى يصدق على عملية التغيير هذه صفة الثورة.
إن الثورة ليست هدم نظام سياسي قائم، بل هدم نظام إجتماعي، وبناء نظام جديد، والثورة، بهذا المقتضى، حركة تراكمية إلى الأمام، فلا تكون ثورة إلا متى خطت بالمجتمع نحو نظام سياسي وإجتماعي، إقتصادي أكثر تقدماً من سابقه، وإلا كانت إرتكاسة إلى وراء وثورة مضادة.
وليس معلوماً لدنيا – حتى الآن – ما إذا كانت التغييرات التي وقعت خلال هذا العام، في قسم من البلدان العربية، تحمل في جوفها مشروع نظام إجتماعي، إقتصادي جديد، أم هي مجرد تغيير طاقم حاكم بآخر سيعيد إنتاج نفس النظام الإجتماعي! كما ليس معلوماً لدنيا إن كانت نتائج “الثورة” ستقود نحو عملية تراكمية إلى الامام، ولا ترد إلى خلف أو تنفضّ على مكتسبات الماضي: الإجتماعية – الإقتصادية والسياسية، والثقافية، معتمدة في ذلك غياب عقد إجتماعي مشترك ومتوافق عليه، ومتوسلة سلطة الأغلبية وصناديق الإقتراع، وثانيها ان الديموقراطية ليست صناديق إقتراع فحسب، يُحتكم إليها فتقضي بأحكامها بين المتنافسين، وإنما هي إتفاق وتعاقد على مشروع مجتمعي وعلى نظام سياسي مدني.
ثم إن الديموقراطية ليست محض إنتخابات، وأغلبية وأقلية، وتوازن سلطات، وإنما هي – فوق ذلك – توافق على مشتركات في المجتمع الوطني، وخاصة في مراحل البناء الديموقراطي الأولى: عقب إستقلال سياسي للكيان، أو عقب ثورة شعبية على نظام مستبد، أي حين تكون العلاقة بالحياة طرية العود في مجتمع لم يتعود عليها، وفي مجتمع تبلغ الإنقسامات السياسية والثقافية فيه حدوداً بعيدة كالمجتمعات العربية، التي تعاني نقصاً فادحاً في التجانس والإندماج.
والثابت أن تغييب الحاجة إلى التوافق، لا يتولد فيه نظام ديموقراطي، لأن لعبة الأغلبية / الأقلية لا تستقيم في مجتمع لا عقد إجتماعي يحكمه، وليس من شأن هذه الداروينية السياسية سوى أن تفضي إلى التسلط والإستعباد وإحتكار السلطة بإسم “الشرعية الديموقراطية” وماكينة صناديق الإقتراع!… وهي داروينية “ديموقراطية” سهلة النجاح إذا ما ركبت تركب الشعبوية.
وليس واضحاً لدنيا، حتى الآن، ما إذا كان الأفق الديموقراطي العربي ما يزال مفتوحاً مع سريان مفعول هذه الداروينية السياسية في البلدان التي شهدت ثورة ودخلت مرحلة “البناء الديموقراطي”؛ أما ثالثها، فهو أن الثورة أو التغيير الإجتماعي لأوضاع سياسية قائمة لا يتحصلان المشروعية إلا متى كان بإرادة من الشعب، وقواه الإجتماعية الفاعلة، ومن طريق أدواته الذاتية الخاصة.
إن أصالة أية ثورة إنما تأتي من إستقلالية إرادتها وقرارها، ومن وطنية القائمين عليها، وإرتقاعهم عن شبهة الإرتباط بالأجنبي، تحت أي عنوان، ولو كان بإسم الديموقراطية وحقوق الإنسان؛ الثورة التي لا تعتمد على شعبها وقرارها الوطني، فيدعو من يدعو فيها الأجنبي إلى التدخل، العسكري أو السياسي لنصرتها والقيام حكامها في تغيير الأوضاع، ليست ثورة، ولا تدخل في معنى الثورة…إن المعارضات التي تضع نفسها تحت تصرف إرادة الأجنبي و”أجندته” السياسية، كي تحظى منه بالدعم، إنما تخوض المعركة ضدّ الوطن وسيادته وإستقلاله، لا ضدّ النظام القائم وإستبداده، وإنما هي أدعت ذلك…
تلك كانت إستشفافات “عبد الإله بلقزيز” لمجمل ما وقع وما يقع في البلدان العربية من ثورات، إستشفافات تجعل رؤية واعية لمصطلحات فضفاضة يتم إسقاطها بعد صرفها عن معناها على الحراك الثوري العربي… رؤية تريد إخراج المصطلح من عموميات لغة اللحظة السياسية وتسبب مفرداتها، وإستبداه معناها المحمول على ظاهر لفظها، لإعادتها إلى أصولها الفكرية والنظرية الحاكمة وعيارها بذلك الميزان، وفي قلبها مفردات: الثورة، الديموقراطية، الشعب، الشرعية…
ومن ناحية ثانية، فإن المقالات التي ضمها هذا الكتاب جاءت بمثابة هواجس حملها فكرة تجاه الثورات العربية في تونس ومصر، ليبيا، سوريا، ويمكن القول أنه على الرغم من أن هذه المقالات كانت ابنة لحظتها… إلا أنه أرادها كذلك مندرجة حسب تاريخ كتابتها المثبت في نهاية كل مقالة معرضاً عن تصنيفها، قاصداً هذا الإختيار ليترك للقارئ فرصة الحكم على وعي في تاريخيته، في إحتفاليته، وحزنه، في أمله وخيبته، وفي إيمانيته وتقيضه، وهي وجوه متباينة، ومتعاقبة، من وعي كانت هذه المقالات.

مناقشة الكتاب    تحميل الكتاب

كتب ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *